الشوكاني

142

نيل الأوطار

وأخرج هذا الحديث الدارقطني في غرائب مالك . وقد أخرج الموطأ من حديث سعيد بن سعد بن عبادة : أنه خرج سعد مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم في بعض مغازيه وحضرت أمه الوفاة بالمدينة فقيل لها : أوصي ، فقالت : فيما أوصي والمال مال سعد ، فتوفيت قبل أن يقدم سعد فذكر الحديث . وقد قيل : إن الرجل المبهم في حديث عائشة وفي حديث ابن عباس وهو سعد بن عبادة ، ويدل على ذلك أن البخاري أورد بعد حديث عائشة حديث ابن عباس بلفظ : أن سعد بن عبادة قال : إن أمي ماتت وعليها نذر وكأنه رمز إلى أن المبهم في حديث عائشة هو سعد . وأحاديث الباب تدل على أن الصدقة من الولد تلحق الوالدين بعد موتهما بدون وصية منهما ، ويصل إليهما ثوابها ، فيخصص بهذه الأحاديث عموم قوله تعالى : * ( وأن ليس للانسان إلا ما سعى ) * ( النجم : 39 ) ولكن ليس في أحاديث البا ب إلا لحوق الصدقة من الولد ، وقد ثبت أن ولد الانسان من سعيه ، فلا حاجة إلى دعوى التخصيص ، وأما من غير الولد فالظاهر من العمومات القرآنية أنه لا يصل ثوابه إلى الميت فيوقف عليها حتى يأتي دليل يقتضي تخصيصها . وقد اختلف في غير الصدقة من أعمال البر هل يصل إلى الميت ؟ فذهبت المعتزلة إلى أنه لا يصل إليه شئ ، واستدلوا بعموم الآية . وقال في شرح الكنز : إن للانسان أن يجعل ثواب عمله لغيره صلاة كان أو صوما ، أو حجا ، أو صدقة ، أو قراءة قرآن ، أو غير ذلك من جميع أنواع البر ، ويصل ذلك إلى الميت وينفعه عند أهل السنة انتهى . والمشهور من مذهب الشافعي وجماعة من أصحابه أنه لا يصل إلى الميت ثواب قراءة القرآن ، وذهب أحمد بن حنبل وجماعة من العلماء وجماعة من أصحاب الشافعي إلى أنه يصل ، كذا ذكره النووي في الأذكار . وفي شرح المنهاج لابن النحوي لا يصل إلى الميت عندنا ثواب القراءة على المشهور ، والمختار الوصول إذا سأل الله إيصال ثواب قراءته ، وينبغي الجزم به لأنه دعاء ، فإذا جاز الدعاء للميت بما ليس للداعي فلان يجوز بما هو له أولى ، ويبقى الامر فيه موقوفا على استجابة الدعاء ، وهذا المعنى لا يختص بالقراءة ، بل يجري في سائر الأعمال ، والظاهر أن الدعاء متفق عليه أنه ينفع الميت والحي القريب والبعيد بوصية وغيرها . وعلى ذلك أحاديث كثيرة ، بل كان أفضل الدعاء أن يدعو لأخيه بظهر الغيب انتهى . وقد حكى النووي في شرح مسلم الاجماع على وصول الدعاء إلى الميت ، وكذا حكي أيضا الاجماع على أن الصدقة تقع عن الميت ويصل ثوابها ، ولم يقيد ذلك بالولد . وحكي أيضا الاجماع على لحوق قضاء